محمد جمال الدين القاسمي
418
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الْكَذِبَ ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ، مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم ، بالحل والحرمة في قولكم ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا من غير استناد ذلك الوصف إلى وحي من الله . ف ( الكذب ) مفعول ( تقولوا ) وقوله : هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ بدل من ( الكذب ) واللام صلة للقول . كما يقال : لا تقل للنبيذ إنه حلال ، أي في شأنه وحقه . فهي للاختصاص . وفيه إشارة إلى أنه مجرد قول باللسان ، لا حكم مصمم عليه . أو هذا حَلالٌ مفعول ( تقولوا ) و ( الكذب ) مفعول ( تصف ) واللام في لِما تَصِفُ تعليلية و ( ما ) مصدرية . ومعنى تصف تذكر . وقوله : لِتَفْتَرُوا بدل من التعليل الأول . أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب ، أي لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة . وليس بتكرار مع قوله : لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لأن هذا لإثبات الكذب مطلقا ، وذلك لإثبات الكذب على اللّه . فهو إشارة إلى أنهم ، لتمرنهم على الكذب ، اجترءوا على الكذب على اللّه ، فنسبوا ما حللوه وحرموه إليه . وعلى هذا الوجه - كون الكذب مفعول ( تصف ) - ففي وصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب ، لجعله عين الكذب . ترقى عنها إلى أن خيل أن ماهية الكذب كانت مجهولة ، حتى كشف كلامهم عن ماهية الكذب وأوضحها ، ف ( تصف ) بمعنى توضح . فهو بمنزلة الحد والتعريف الكاشف عن ماهية الكذب . فالتعريف في الكذب للجنس . كأنّ ألسنتهم إذا نطقت كشفت عن حقيقته وعليه قول المعرّى : سرى برق المعرّة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالا ونحوه ( نهاره صائم ) إذا وصف اليوم بما يوصف به الشخص ، لكثرة وقوع ذلك الفعل فيه . و ( وجهها يصف الجمال ) لأن وجهها لما كان موصوفا بالجمال الفائق ، صار كأنه حقيقة الجمال ومنبعه ، الذي يعرف منه . حتى كأنه يصفه ويعرّفه ، كقوله : أضحت يمينك من جود مصوّرة * لا بل يمينك منها صوّر الجود فهو من الإسناد المجازيّ . أو نقول : إن وجهها يصف الجمال بلسان الحال . فهو استعارة مكنية . كأنه يقول : ما بي هو الجمال بعينه . ومثله ورد في كلام العرب والعجم . هذا زبدة ما في ( شروح الكشاف ) .